تحالف الظل: كيف تمنح التقنيات الصينية والأقمار والصواريخ الروسية ميليشيا الحوثي عيوناً وعضلات لتهديد السعودية؟
شهدت القدرات العسكرية لميليشيا الحوثي في اليمن قفزة نوعية حوّلتها من جماعة مسلحة تعتمد على حروب العصابات وأسلحة المستودعات التقليدية، إلى فاعل إقليمي يشن هجمات دقيقة بعيدة المدى. وتكشف التقارير الاستخبارية الجنائية والدراسات العسكرية المؤخرة عن شبكة دعم دولية معقدة تقودها الصين وروسيا عبر وسيطهم الإيراني لتزويد الميليشيا بالإحداثيات، وتكنولوجيا الأقمار الصناعية، والقدرات الفرط صوتية، والمكونات التقنية المتقدمة اللازمة لاستهداف البنية التحتية والمطارات في المملكة العربية السعودية.
هنا رصد شامل للحقائق المثبتة حول طبيعة هذا الدعم التقني واللوجستي:
أولاً: العيون الروسية في السماء (بيانات الأقمار الصناعية والإحداثيات)
لم تعد صواريخ ومسيرات الحوثي تتحرك عشوائياً، بل باتت تعتمد على تدفق مستمر للبيانات الجغرافية والاستخباراتية الفضائية لحساب الإحداثيات بدقة. وتبرز الحقائق التالية الدور الروسي في هذا المجال:
- تمرير بيانات الاستطلاع الفضائي (GEOINT): كشفت تحقيقات استخباراتية، نشرت تفاصيلها وسائل إعلام دولية مثل صحيفتي وول ستريت جورنال وشبكة سي إن إن، أن الأقمار الصناعية التجسسية الروسية قدّمت بيانات استطلاع جغرافية دقيقة وحساسة أسهمت في رفع دقة توجيه الضربات الحوثية.
- قناة التمرير العسكري عبر الحرس الثوري: البيانات والمخططات والإحداثيات التي تلتقطها الأقمار الروسية لا تُمنح للحوثيين مباشرة؛ بل يتم تمريرها عبر عناصر من الحرس الثوري الإيراني (IRGC) المدمجين داخل غرف القيادة والسيطرة الحوثية في اليمن، والذين يقومون بتحويل هذه البيانات إلى إحداثيات تشغيلية للصواريخ.
- رصد التحركات العسكرية وأضرار الضربات: استُخدمت الأقمار الصناعية الروسية التي تعبر فوق أجواء المنطقة لرصد تمركز الدفاعات الجوية، والمواقع العسكرية، وتقييم أضرار الهجمات (Battle Damage Assessment) على المنشآت الحيوية والمطارات السعودية.
ثانياً: لغز "التقنيات الفرط صوتية" والخبرات الروسية
أخذ الدعم العسكري الروسي ومحاولات نقل التكنولوجيا منحىً أكثر خطورة؛ إذ تزايدت المؤشرات حول مساعي تزويد الميليشيا بتقنيات وخبرات ترتبط بالصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic) لدمجها ضمن الترسانة الحوثية المستهدِفة للعمق السعودي والمطارات الحيوية:
- تسريبات "نوفوستي" واختبارات الوقود الصلب: نقلت وكالة الأنباء الرسمية الروسية (نوفوستي) عن مصادر عسكرية موثوقة، نجاح ميليشيا الحوثي في إطلاق تجريبي لصاروخ يعمل بالوقود الصلب تصل سرعته إلى 8 ماخ (نحو 10 آلاف كيلومتر في الساعة). ونشر وسائل الإعلام الروسية الرسمي لهذه البيانات يُعد مؤشراً حيوياً على وجود قنوات تنسيق أمني مباشر تسمح لموسكو بمراقبة وتوثيق التطور الصاروخي للميليشيا.
- تسريب التكنولوجيا الروسية للهجمات الباليستية: بالتزامن مع تصعيد الهجمات العنيفة الموجهة نحو العمق، كشفت تقارير أمنية وتسريبات استخبارية هندسية عن شبهات استخدام الحوثيين لصاروخ باليستي متطور بـ ميزات فرط صوتية هجينة تعتمد على تكنولوجيا وأنظمة ملاحة تم استقدامها وتهريبها من روسيا عبر شبكات قرصنة ووساطة إقليمية معقدة.
- الصواريخ الروسية المضادة للسفن (غطاء بري وبحري): أشارت تحقيقات غربية (نشرت تفاصيلها وكالة رويترز وصحيفة وول ستريت جورنال) إلى أن روسيا بحثت بشكل جدي نقل صواريخ P-800 Oniks (Yakhont) المتطورة إلى الحوثيين. ورغم تصنيفها كصواريخ كروز بحرية أسرع من الصوت، فإن برمجتها وتقنيات الملاحة الخاصة بها تمنح الميليشيات قفزة نوعية في تلافي الدفاعات الجوية.
- المسار الإيراني المشترك: تُعد روسيا المموّل المعرفي الرئيسي لتطوير صواريخ كروز فرط صوتية لصالح طهران. وبموجب هذا التحالف المعمّق، تنقل طهران هذه الخبرات الروسية "المحسّنة" ومكونات الذكاء الاصطناعي والملاحة المقاومة للتشويش مباشرة إلى غرف تصنيع الحوثيين في اليمن، مما يفسّر دقة ومناورة المقذوفات الأخيرة ضد منظومات الدفاع الجوي.
ثالثاً: المكونات والتقنيات الصينية (عضلات التصنيع المحلي)
بينما تقدم روسيا "العيون الجغرافية والقدرات الفائقة السرعة"، تُمثّل الأسواق والشركات الصينية "العضلات التقنية" التي سمحت للحوثيين بإنشاء خطوط تجمع وتصنيع متطورة داخل اليمن بدلاً من اكتفائهم باستيراد الأسلحة الجاهزة.
- مكونات بناء الصواريخ الباليستية المتقدمة: في تقرير حديث لـ منظمة بحوث تسليح الصراعات (Conflict Armament Research)، تبين أن السلطات اليمنية الشرعية اعترضت شحنات بحرية قادمة من موردين صينيين تحتوي على قطع باليستية حساسة. شملت الشحنات: نواة زعانف التوجيه والاستقرار، ومغلقات المحركات الصاروخية الخلفية مع فوهات الدفع، والمشعلات الخاصة بمحركات الوقود الصلب.
- دروع الحماية الحرارية (الراتنج الفينولي): كشفت الشحنات المضبوطة عن حيازة الحوثيين لمادة الراتنج الفينولي (Phenolic Resin) القادمة من الصين. وهي مادة أساسية تُستخدم في صناعة الدروع الواقية من الحرارة الشديدة (Ablative Heat Shields) لحماية رأس الصاروخ الباليستي من الانفجار أو التفكك أثناء إعادة دخوله الغلاف الجوي بسرعة فائقة، ما يتيح للصواريخ الحوثية من طراز "خيبر شكن" الإيراني المطور بلوغ مسافات تصل إلى 1900 كيلومتر.
- تكنولوجيا الاستخدام المزدوج والأقمار التجارية: تعتمد طائرات الحوثي المسيرة وصواريخ الكروز بشكل مكثف على رادارات حديثة، وعدسات تصوير، ومحركات صغيرة، ومستشعرات تجارية "مزدوجة الاستخدام" يتم استيرادها عبر شبكات تهريب معقدة من الأسواق الصينية. بالإضافة إلى ذلك، اتهمت الخارجية الأمريكية شركات صينية لتكنولوجيا الأقمار الاصطناعية (مثل شركة تشانغ غوانغ) بتقديم صور خرائطية استُخدمت في دعم العمليات الهجومية في المنطقة.
خلاصة المشهد:
إن هذا التكامل التقني (البيانات الجيومكانية الروسية، الهندسة الفرط صوتية، والمكونات الإلكترونية والباليستية الصينية) منح الحوثيين القدرة على محاولة اختراق منظومات الدفاع الجوي المتطورة عبر برمجيات توجيه حديثة ومناورات صاروخية دقيقة لتقليص زمن الاستجابة والرصد لدى رادارات الدفاع الجوي. ورغم أن بكين وموسكو تنفيان الدعم الحكومي المباشر، وتدعوان دبلوماسياً لتهدئة الصراع، فإن انسياب تكنولوجياتهما ومعداتهما إلى يد الميليشيا عبر قنوات التهريب الإيرانية يظل الحقيقة الأبرز خلف تزايد خطورة الترسانة الحوثية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق